الأستاذة كوثر بن أحمدالعقد الالكتروني في التشريع التونسي

مارس 1, 20230

العقد الالكتروني في التشريع التونسي

بقلم السيدة كوثر بن أحمد

رئيس دائرة بمحكمة الاستئناف بتونس سابقا

ان العقد  كما  هو معلوم يعد سببا من الأسباب الرئيسية  في تعمير ذمة الأفراد  و تتولد منه

جملة من الالتزامات والتي أطنبت التشاريع في تقنينها كما هو الشأن بالنسبة للمشرع التونسي الذي اهتم بالقواعد المتعلقة بالالتزامات والعقود ونذكر أن الباي محمد الناصر باي اصدر الأمر العلي المؤرخ في 28 شوال سنة 1324 والموافق ليوم 15 ديسمبر لسنة 1906 مجلة الالتزامات والعقود التونسية وقد تتالت تنقيحات مجلة الالتزامات  والعقود اقتضتها الضرورة لتكون ملائمة في صياغة نصوصها مع التطورات الاقتصادية  والعلمية و التكنولوجية الحديثة التي أصبحت معتمدة في اغلب مجالات الحياة.

و نتولى تفريعا على ما تقدم الحديث عن ابرز  المستجدات التي طرأت على ابرز مصدر من مصادر الالتزام إلا وهو العقد.

فالعقدcontrat   اخص من الاتفاق  فهو توافق إرادتين علي إنشاء التزام أو على نقله  ومن ذلك يتضح أن كل عقد يكون اتفاقا أما الاتفاق فلا يكون عقدا إلا إذا كان منشئا لالتزام أو ناقلا له فإذا كان يعدل من الالتزام أو ينهيه فهو ليس بعقد.

وكما هو معلوم فان القوانين الوضعية قد تعتمد عند وضعها للنص القانوني   المفاهيم الفقهية و القوانين  المقارنة عند تحديد تعريفها  لمسالة معينة أو  مبدأ  قانوني  لقاعدة قانونية كما هو الشأن بالنسبة للعقد  مع الملاحظ أيضا أن المشرع بصفة مطلقة في جميع الدول يقتبس المبادئ والمفاهيم من التشاريع المقارنة وان المشرع التونسي أسوة بالمشرع الفرنسي عرف العقد بكونه  اتفاقات  وتصريحات اختيارية  يترتب عنها تعمير الذمة  حسبما جاء بالفصل الأول من م ا ع  وجاء النص في القانون الفرنسي المدني بالتعريف التالي في المادة 1101 أن العقد هو اتفاق يلتزم بمقتضاه شخص أو أكثر نحو شخص أو أكثر بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو بالامتناع عنه.

كما أن مفهوم العقد في القانون المدني الفرنسي قد تغير نظرا للمستجدات التي شهدها المجتمع وبموجب التعديلات التي عمد المشرع الفرنسي إدراجها في المجال المدني بموجب المرسوم الصادر بتاريخ 10 فيفري 2016. بموجب هذا التعديل  كرس المشرع المفهوم الجديد للعقد الذي أصبح وفقا للنص الجديد1101 يرمز لتوافق الإرادات بين شخصين أو أكثر لإنشاء أو تعديل أو نقل أو إنهاء الالتزامات. ونظرا للأهمية التي أولاها المشرع لأهم مصدر من مصادر الالتزام إلا  وهو  العقد في المفهوم العام فانه من واجب النص القانوني إن يواكب المستجدات الفكرية  والنظريات  المستحدثة  التي شهدتها المجتمعات في اغلب دول العالم  في مجال العلاقات التبادلية بصفة عامة وفي جميع مجالات الحياة والتي أصبحت ترتكز على التكنولوجية الرقمية والالكترونية.

وعلى غرار المشرع الفرنسي فان التعديلات التي أدخلت على مجلة الالتزامات والعقود التونسية    أوجبتها الضرورة حتى تكون النصوص متلائمة مع الحداثة التي شهدها المجتمع التونسي في المجال السياسي والاجتماعي و الاقتصادي وباقي أوجه الحياة  ونذكر على سبيل المثال القانون عدد 87 لسنة 2005 المؤرخ في 15 اوت2005 والمتعلق بالمصادقة على إعادة تنظيم وصياغة مجلة الالتزامات والعقود والذي  أعاد صياغة بعض العناوين فعوضت عبارة مقالة بكلمة عنوان وأبدلت بعض المفاهيم بغيرها على غرار دراهم = نقود , فرنك = دينار ,تدليس = تغرير, المجلس = المحكمة , الحاكم =القاضي , الغارم= الديون,  الغريم= الدائن , النازلة = القضية  , الآلية = البلاد , الفريق = الطرف,  تفريط = تقصير, حسن قصد = حسن النية  ,المجاورون = الأجوار , رب = صاحب , العرفاء = الخبراء [1]

وهكذا يتجلي أن النص التشريعي  الوضعي  والذي يضعه المشرع  في حقبة زمنية معينة  لا بد أن يتم تعديله  وفقا لتطور المجتمع  وتعديل المصطلحات التي تكتب بها النصوص مع المفاهيم المستجدة التي تصبح متداولة من قبل أفراد المجتمع سواء المحلي أو الدولي  حتى لا تتعطل مصالح الناس  بجمود النصوص التشريعية.

بالرجوع لمواصلة الحديث عن أهم مصدر من مصادر الالتزام = العقد  الذي شمله التطور التكنولوجي في زماننا هذا و أصبحت هناك عقود تسمى بالعقود الالكترونية لذا  ونظرا لأهميتها  اليوم في عدة مجالات سوف نتطرق في المبحث الأول إلى التعريف ومفهوم معنى العقد الالكتروني أي ماهية هذا العقد  ( أركانه –شروطه –  خصوصية هذا العقد  – كيفية تحريره  او صياغته-و تنفيذ هذا العقد ) وسوف نتحدث في المبحث الثاني عن أثار هذا العقد  وما ينتج عنه من مسؤولية عقدية وكيفية إثباته.

 

المبحث الأول : تعريف العقد الالكتروني

 

ان العقد كما جاء تعريفه لغة هو عقد الشيء  أي يعقده عقدا نقيض الحل وفي الأصل هو الحبل وما نحوه من المحسوسات ثم أطلق على أنواع العقود والمواثيق وغيرها.  والعقد مصطلحا له مفهومان الأول يرتبط بمعناه اللغوي وهو يرمز لارتباط إيجاب وقبول بوجه مشروع ومفهوم ثان و هو مفهوم عام و يقصد به كل ما يلزم المرء به نفسه [2].

أما العقد الالكتروني ما من شك فان تعريفه الخاص لا يختلف عن المصطلح القانوني المتداول والمتعارف عليه وفق مجلة القانون المدني وهو التعريف الموسع الذي جاءت به مجلة الالتزامات والعقود التونسية في الفصل الأول الذي ينص على أن تعمير الذمة يترتب على الاتفاقات  وغيرها من التصريحات الاختيارية وعن شبه العقود.

ولا شك أن أركان العقد  الالكتروني هي نفس الأركان التي نصت عليها مجلة الالتزامات والعقود التونسية في  فصلها الثاني  إلا وهي   الاهلية, التصريح بالرضاء, المقصود من العقد مالا معينا يجوز التعاقد عليه و ان يكون موجب الالتزام جائزا.

وتفريعا على ما تقدم, يلاحظ أن التعبير عن الإرادة  في العقود بصفة عامة يجب ان يكون تصريحا معتبرا بمعنى أن المشرع التونسي قد اوجب حسب عبارة النص الفصل 2 من م ا ع انه يتم الرضاء بين المتعاقدين بإرادة متطابقة بين طرفي العقد لإحداث اثر قانوني وبصفة أدق إحداث أو إنشاء التزام.

ودون الخوض والحديث عن أركان العقد القانونية المشار اليها أنفا فان العقد الالكتروني يعتبر نوعا وصنفا جديدا من العقد  والذي استحدث بتطور البرمجيات الالكترونية و تطور التكنولوجية الرقمية  في جميع مجالات الحياة اليومية والعلاقات المدنية والتجارية  والاتفاقيات الثنائية و الجماعية  وكذلك الشأن بالنسبة للمبادلات الدولية  بقطع النظر عن ما إذا كانت أطرافها خاصة أو مؤسسات عمومية.

ويتميز هذا النوع أو الصنف الجديد من العقود بخاصية ذاتية من حيث التسمية أولا ومن حيث كيفية إنشائه وتحريره وإمضائه وكيفية تداوله بين أطرافه ثانيا  وأخيرا  وليس أخرا مدى القوة الإلزامية لهذا النوع من العقود.

وأننا سوف نتحدث في  هذا المبحث عن الخاصية الأولي لهذا العقد وهي التسمية.

إن المشرع التونسي قد عرف الوثيقة الالكترونية بالفصل453 مكرر من م ا ع كما يلي“الوثيقة الالكترونية هي الوثيقة المتكونة من مجموعة أحرف و أرقام أو أي إشارات رقمية أخري بما في ذلك المتبادلة عبر وسائل الاتصال تكون ذات محتوى يمكن فهمه ومحفوظة  على حامل الكتروني يؤمن قراءتها والرجوع إليها وتعتبر الوثيقة الالكترونية كتبا غير رسمي إذا كانت محفوظة في شكلها  النهائي بطريقة موثوق بها ومدعمة بإمضاء الكتروني.”

وبناءا على هذا التعريف التشريعي  نستنتج أن المشرع التونسي ترك مجال للتأويل مفتوحا للفقه والقضاء في تعريف هذا العقد كما ترك  المجال مفتوحا لأطرافه لتحديد هذا العقد  ومن ثمة نطرح عدة تساؤلات وهي الآتية هل أن العقد الالكتروني هو عقد رضائي أم عقد شكلي ؟ هل هو عقد مسمى أم غير مسمى؟ وهل هو عقد بسيط أم عقد مختلط؟ وهل هو ملزم لجانبيه أم ملزم لجانب واحد؟

وللإجابة على هذه التساؤلات نورد على سبيل المثال التكييف القانوني الذي أعطاه المشرع الفرنسي للوثيقة الالكترونية بالفصل 1326-1من  م المدنية الفرنسية” ان الكتب الذي يكتسي صيغة الكترونية  يمكن قبوله في الإثبات كالكتب المركز على الورق.” كما نص  الفصل 1316-3على ان “الكتب ذا مرتكز الكتروني له نفس قوة الإثبات للكتب المركز على الورق.” و كما هو الشأن بالنسبة للمشرع الفرنسي, يبقى مجال تكييف الوثيقة الالكترونية باعتبارها حجة رسمية أو حجة غير رسمية كلما توفرت شروطها.

و نستنج من جملة ما تقدم أن العقد الالكتروني هو وثيقة الكترونية تتضمن أحرف و أرقام أو إشارات رقمية يقع إنشاؤها على حامل الكتروني وتعد تلك الوثيقة هي سند الالتزام لجميع التصرفات القانونية بصفة عامة طالما لم ينص القانون على ذلك.  وهذا التعريف يتطابق اصطلاحيا مع تسميته المعتمدة من قبل المشرع الفرنسي والمشرع التونسي  وغيرهم من المشرعين  في عدة دول الأوروبية و العربية التي انخرطت في المسار العالمي و التي أصبحت تعتمد الفضاء غير المادي  لإبرام العقود  في العديد من المبادلات التجارية أو الاستهلاكية  ودون التواجد المادي للأطراف. و  تتم تلك العقود  باستخدام الوسائط الالكترونية  والتي شملت حتى مسالة كيفية الوفاء بالالتزام  واستبدال النقود العادية بالنقود الرقمية .

كيفية تحرير العقد الالكتروني و إمضائه

من المتعارف عليه فقها وقضاء أن الكتائب المخطوطة سند الالتزام تكون إما حججا رسمية أو  كتائب غير رسمية  وقد كرسها المشرع التونسي  صلب جملة من النصوص القانونية  في مجلة الالتزامات و العقود و خصها بباب كامل مشيرا إليها بوسائل إثبات تعمير الذمة وبراءتها.

وبما أن المشرع التونسي حين اعتبر أن العقد بل بالأحرى الوثيقة الالكترونية حسب منطوق الفصل 453 مكرر من م ا  ع  بكونها  كتبا غير رسمي يكون حسب هذا التعريف من قبيل الكتائب الخطية  تنطبق عليها  جميع مقتضيات النصوص القانونية التي جاءت بها المجلة المدنية  من الفصل 449 إلى 460. و هكذا فان مسالة تحرير الكتب الالكتروني تعد مسالة تهم أطراف العقد.

ومن ثمة يلاحظ و أن ا المشرع التونسي لم يشترط شكلا محددا لصحة العقد الالكتروني  ولا شك أن هذا التوجه الذي اتخذه المشرع التونسي يعد توجها سليما لما شهده المجتمع في اغلب  بلدان العالم من تطورات وتحولات اقتصادية واجتماعية وغيرها من المجالات للعلاقات بين أفراد المجتمع سواء كانوا طبيعيين آو معنويين  والتي أصبحت تعتمد على الوسائط الالكترونية لإبرام العقد والاتفاقات التجارية  والمالية وغيرها من التصرفات القانونية.

وبما أن العقد الالكتروني حسب منطوق الفصل 453 مكرر من م ا ع   هو كتب  غير رسمي,  فان المشرع التونسي حرص على توفير الحماية للمستهلك و قد يفهم ذلك من خلال القانون عدد 83 لسنة 2000 والمؤرخ في اوت 2000 المتعلق بالمبادلات  والتجارة الالكترونية  باعتبار أن المبادلات التجارية أصبحت في معظمها تتم عبر المبادلات الالكترونية وان توجه المشرع التونسي في هذا المجال كان متماشيا مع ما أقرته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية “CNUDCI  ” التي أصدرت قانون نموذجي للتجارة الالكترونية و توصية البلدان بالعمل على منواله وملائمة تشريعاتها الوضعية وكذلك الاتحاد الأوروبي الذي صار على نفس المنهج  و أصدر العديد من التوصيات  ونذكر منها على سبيل المثال  التوصية عدد 53/99 الصادرة عن البرلمان ومجلس الاتحاد الأوروبي في 13-12-1999 التي تتضمن إطارا جديدا يضمن الاعتراف بالإمضاءات الالكترونية على مستوى كامل الدول الأوروبية كما وضع إطارا شاملا للتجارة الالكترونية  وصادقت عليه و باركته اغلب الدول الأعضاء.

و قد صار المشرع التونسي على نفس المنهج فان قانون عدد83 لسنة 2000 قد تضمن جملة من النصوص التي أقرت بعدة آليات تضمن حماية المستهلك في العقود الالكترونية والتي من أهمها واجب الإعلام و المحلية في إتمام العقد الالكتروني . ونستعرض الفصل 25 من هذا القانون الذي اوجب على البائع أن يوفر للمستهلك بطريقة واضحة ومفهومة قبل إبرام العقد المعلومات الخاصة بالشيء المراد شراؤه و قد جاءت على سبيل الحصر  حسب ما عددها  المشرع  مؤكدا في  الفقرة الأخيرة من الفصل المذكور انه يتعين توفير هذه المعلومات الكترونيا ووضعها على ذمة المستهلك للاطلاع عليها في جميع مراحل المعاملة.

ومن أهم  الموجبات التي نص عليها قانون عدد 83 لسنة2000 هي تحميل البائع إثبات حصول الإعلام المسبق و إقرار المعلومات و احترام الأجل وقبول المستهلك. كما نص الفصل 26 على انه يحجر على البائع تسليم منتوج مشروط بطلب دفع لم تصدر بشأنه طلبية من قبل المستهلك.  و تأكيدا على  صحة القبول, نص الفصل 27 على انه يتعين على البائع قبل إبرام العقد تمكين المستهلك من المواجهة النهائية لجميع اختياراته و تمكينه من إقرار الطلبية أو تغييرها حسب إرادته وكذلك الاطلاع على شهادة المصادقة الالكترونية المتعلقة بامضاءه.

و قد جاء بالفصل 26 انه ينشا العقد الالكتروني بعنوان البائع وفي موافقة هذا الأخيرعلى الطلبية  بواسطة وثيقة الكترونية ممضاة وموجهة للمستهلك ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك.

وتفريعا على جملة ما تقدم نلاحظ أن المشرع التونسي وضع نصا خاصا للعقد الالكتروني فيما يتعلق بالمبادلات التجارية.  كما اقر في مجال التحكيم صلب الفصل 6 فقرة 2 من مجلة التحكيم على أن اتفاقية التحكيم يمكن اعتبارها ثابتة بكتب متى كانت موقعة من الأطراف وتم تبادلها  بأي وسيلة من وسائل الاتصال كالرسائل أو التلكسات أو برقيات[3]. وهكذا يتضح لنا أن المشرع التونسي  قد اعتمد التعريف الموسع لمفهوم العقد الالكتروني بل التعريف الموحد لمفهوم العقد والاتفاق  و ان الميزة الوحيدة التي  تجعل من هذا العقد يختلف عن بقية العقود هي كيفية تحريره و إمضائه.

وحتى يعد الكتب الالكتروني حجة يمكن اعتماده كوسيلة اثبات,  ينبغي أن بكون ممضى بل مدعما بإمضاء الكتروني  و هذا الإمضاء له أهمية كبرى باعتباره يحدد هوية الشخص المعني ومن ثمة يكون الربط المعتبر في صحة العقد الالكتروني هو إمضاء المتعاقدين.  ويكون هذا  الإمضاء وفقا لشهادة المصادقة المسلمة إليه من قبل مزود الخدمات والتي يتحصل عليها هذا الأخير في البلاد التونسية من قبل الوكالة الوطنية للمصادقة الالكترونية. فالإمضاء الالكتروني يمثل الربط العضوي  بين محتوى الوثيقة وصاحب الإمضاء الالكتروني بطريقة موثوق بها. وان هذه الثقة في الإمضاء الالكتروني يقع توفيرها من خلال عملية تامين تراسل المعطيات الشخصية بين الأطراف المتداخلة و ضمان سرية المبادلات وسلامة محتواها وعدم إنكار احد المتداخلين للمبادلة بعد انجازها.

وهكذا يكون إمضاء الوثيقة الالكترونية من قبل من أنشأها هو المعتمد في صحة الوثيقة أو الكتب الالكتروني إلا انه وبالرغم من وجود عدة ضمانات أوجبها المشرع التونسي لفائدة المستهلك عند القيام بمعاملة تجارية ظهرت العديد من المخالفات. و قد وضع المشرع التونسي صلب القانون عدد 83 لسنة 2000 نصوصا زجرية تحسبا لوقوع مخالفات و التي تشكل ضمانات إضافية للمستهلك.

ونظرا لخصوصية  المبادلات  الالكترونية, فان  العقوبات التي نص عليها المشرع عند تحقق المخالفة تتدرج من سحب الترخيص من مزود الخدمات وإيقاف نشاطه إلى تسليط عليه عقوبات مالية وعقوبات سجنية وفقا لما جاء بالفصول 44 إلى الفصل 52 من القانون المذكور مع حفظ  الحقوق المدنية للمتضررين.

ولا شك انه بالرغم من أهمية هذا التمشي الذي انتهجه المشرع التونسي في مجال المبادلات التجارية إلا أن العقد الالكتروني  في هذا العهد والذي يتميز بتطور العالم الافتراضي الذي يرتكز بالأساس على تطور التكنولوجية المعلوماتية فانه أصبح من أوكد واجبات المشرع التونسي وغيره من المشرعين تنقيح المجلات القانونية التي تنظم  الحياة العامة والخاصة بين الأفراد والجماعات.

ولا شك أن عدم تنظيم  العقود و  الاتفاقات غير المالية التي تتم بواسطة الانترنيت  سوف تسبب عدة إشكاليات لرجال القانون من فقهاء وقضاة وغيرهم لان العقود الالكترونية أصبحت اليوم من أهم المصادر للالتزامات.

ولسائل أن يتساءل هل يصح عقد الزواج المبرم عبر وسائل الاتصال الالكتروني؟

هل تصح العقود المسماة  بالوثيقة الاكترونية  كما نصت عليها مجلة الالتزامات والعقود التونيسية  وفقا لاحكام الفصل 453  مكرر,بمعنى هل  يصح عقد الوديعة أو عقد الهبة او عقد بيع الاصل التجاري الذي يتم بواسطة وسائل الاتصال الالكترونية؟ ان طرح هذه الاسئلة اوردناه على سبيل المثال والمجادلة الفكرية فحسب

         المبحث الثاني:المسؤولية العقدية الناتجة  عن الكتب الالكتروني

لابد لنا عند الحديث عن قيام المسؤولية  من التذكير بالقواعد العامة  لهذه المسؤولية و بالأخص [4]أركانها التي لا تقوم الا عند  توفرها مجتمعة.  وقيام المسؤولية العقدية يفترض ان يكون هناك عقدا صحيحا واجب التنفيذ لم يقم المدين بتنفيذه.

وجاء النص 243 في م ا ع  ينص علي انه يجب الوفاء بالالتزامات مع تمام الامانة ولا يلزم ما صرح به فقط بل يلزم [i]كل ماترتب علي الالتزام من حيث القانون او العرف او الانصاف حسب طبيعته

ونص الفصل 244 علي  انه لا يسوغ لعاقد ان يشترط عدم الزامه بما ينتج من خطئه الفاحش او تعمده

وكما هو معلوم فان  المسؤولية العقدية لا تكون قائمة  الا اذا امتنع الملتزم بالوفاء بما تم التعاقد عليه و تقوم ايضا المسؤولية اذا ثبت ان عدم  تنفيذ الالتزام كان بسبب خطا  فاحش  من احد المتعاقدين او بسبب تعمد عدم التنفيذ  و هكذا تكون اركان المسؤولية العقدية شبيهة باركان المسؤولية التقصيرية وهي الخطا العقدي والضرر  والعلاقة السببية  بين الخطا والسبب  د استحال بسبب اجنبي 5[5]

ومما لا شك فيه ان العقد الالكتروني  تترتب عنه اثار  ككل العقود  والذي تنشا عنه التزامات  قد تكون احكامها تجري  علي المنتعاقدبن  ولا ينجر منه للغير ضرر ولا نفع الا في الصور التي نص عليها  الفصل 240 من ما ا ع.  كما نص الفصل 242 من م ا ع  علي ما يتفق عليه الطرفان يقوم مقام القانون بينهما الا ما استثني بالنص الصريح  ولا شك ان هذه المبادئ العامة التي جاءت بالمجلة المدنية  في  المقالة الخامسة  فيما يترتب  علي الالتزامات مطلقا    جلها  تنطبق  علي العقود  والاتفاقات التي تبرم  بالكتايب الالكترونية ما عدى ما استثني بنص خاص

وقد استقر  فقها وقضاء علي ان اساس المسؤولية العقدية  هو الخطا العقدي الذي يكون جزاءه التعويض وقد يكون تقدير هذا التعويض اما عن طريق القضاء  او يكونا مقدرا اتفاقيا  او بمقتضى القانون

ونص المشرع التونسي في قانون عدد 83 لسنة 2000     المتعلق بالمبادلات  التجارية  بالفصل 35 منه [6]علي حالة من حلات توفر المسؤولية العقدية وبين ماهية الخطا العقدي الذي تترتب عنه المسؤولية    و من خلال قراءة للنص المشار اليه يتبين جليا ان المشرع التونسي  اولى حماية  خاصة للمستهلك  وكان العقد في المبادلات التجارية من قبيل العقود الخاصة والتي يعد فيها البائع هو المدين بالوفاء بما التزم به تجاه المستهلك  كما ان جزاء فسخ العقد المترتب عن عدم الوفاء بالالتزام في مثل هذه العقود والتي تعتبر من قبيل العقود التعاوضية  ونستنتج من هذه النصوص التي وضعها المشرع لحماية المستهلك  تبقى مسالة الوفاء  المحمولة علي هذا الاخير تقتصر علي مجرد  دفع ثمن المنتوج او الخدمة  و تسلم المبيع  حسب العقد  او الاتفاق

ومن الملاحظ ان المشرع التونسي لم يتطرق  صلب قانون عدد 83 لسنة 2000 علي كيفية اداء الثمن  وانقضاء الاتزام في جانب المستهلك  وبناء عليه فان القاعدة العامة التي نص عليها الفصل 680 من م ا ع     والذي نص  على   ما يلي: اذا اشترط فسخ العقد بمجرد عدم  اداء الثمن او كان العرف كذلك فالعقد مفسوخ بمجرد عدم دفع الثمن في الاجل المعين.

والحديث عن المسؤولية العقدية الناتجة عن العقد الالكتروني  كما هو واضح من خلال قراءة للفصل 35 من قانون عدد83 لسنة 2000 لا يمكن درؤها عن البائع الا  في حالة القوة القاهرة و التي ينجر عند حدوثها او بالاحرى تحققها فسخ العقد  ولا يلزم البائع بتعويض الخسارة  واذا اخل البائع بالتزاماته فان المستهلك يسترجع المبلغ المدفوع  بقطع النظر عن جبر الضرر اللاحق به وكما هو معلوم فان الاحتجاج بالقوة القاهرة هو من المسائل الموضوعية التي يرجع تقديرها للمحكمة ونص الفصل 283  الفقرة 2 على ما يلي “ولا يعتبر السبب الممكن اجتنابه قوة قاهرة الا اذا اثبت المدين انه استعمل كل الحزم في درئه وكذلك السبب الحادث من خطا متقدم من المدين فانه لا يعتبر قوة قاهرة”

وتفريعا على جملة ما وقع بسطه فان اساس المسؤولية العقدية الناتجة عن العقد الالكتروني تقوم على وجود العقد الاكتروني   المعتمد قانونا والممضى من قبل من انشاه وفقا للقانون وعلى ثبوت الخطأ في جانب احد المعاقدين والعلاقة السببية الرابطة بين الخطأ والضرر

ولاشك ان الحديث عن المسؤولية العقدية يجرنا الي التطرق  الى مسالة الاثبات  و مدى حجية هذه الكتائب من عدمها باعتبارها تنشا   في عالم افتراضي  واسع النطاق وتنشا التصرفات القانونية دون الحضور المادي للأطراف   ويتجه بناء علي هذه المعطبات الجديدة  ان نبحث على  كيفية معالجة النزاعات  التي تحدث عند عدم تنفيذ الالتزام وعدم الوفاء وهل ان القواعد العامة  التي جاءت بها المجلة المدنية  يقع تفعيلها ام لا بد من اللجوء الي ايجاد مخارج اخرى لفض النزاعات.

وان المشرع التونسي كغيره من المشرعين اقر بحجية الكتب الغير رسمي اذا اعترف به موقعه ( الفصل 449 من م ا ع), كما نجده تمشيا مع تطورات العصر الحديث اعترف صلب الفقرة 2 من الفصل 6 من مجلة التحكيم باتفاقية التحكيم دون التوقف على شرط الكتابة معطيا اياها شكلا متسعا وتعتبر اتفاقية التحكيم ثابتة بكتب متى وقع تبادل الوثائق بين الاطراف كالرسائل ,التلكسات والبرقيات وبأية وسيلة اخرى[7].

كما نلاحظ ان المشرع التونسي قد اعترف بالوثيقة  الالكترونية في العقود التجارية او بالاحرى في المبادلات التجارية  حين تولى ضبط كيفية انشاء العقد بداية من احداث الايجاب من قبل البائع الى كيفية تنفيذه.  و تولى فرض شكليات معينة على البائع لضمان  تسليم المبيع او المنتوج للمستهلك  واقر صلب الفصل 36 من قانون عدد 83 لسنة 2000 انه على البائع اثبات حصول الاعلام المسبق واقرار المعلومات واحترام الاجال وقبول المستهلك وكل اتفاق مخالف يعد باطلا.

ويتجلي بكل وضوح ان تنظيم شكليات انشاء العقد الاكتروني وترتيب مراحل تنفيذه وتحديد علي من تحمل المسؤولية في صورة وجود اخلالات عند انجاز المبادلة التجارية   يجعل منه عقدا من نوع خاص بذاته.

وقد  ياخذنا الحديث للبحث بعد هذا الطرح عن تطويع وسائل الاثبات  المنصوص عليها بالمجلة المدنية   عند حدوث منازعة قد تنشا بمناسبة عدم تنفيذ هذا العقد وان مسالة حجية الوثيقة الالكترونية  قد تطرح عدة فرضيات  اذا ما اعتمدت ككتب رسمي او كتب غير رسمي او بمثابة  بداية حجة  وماهي وسيلة الاثبات  التي يقع اعتمادها في حالات نكران هذه الوثيقة سواء من قبل اطرافها او من قبل الغير.

ولضمان صحة الكتائب الالكترونية  فقد نص المشرع صلب قانون عدد83 لسنة 2000 على جملة من المخالفات وخصص الباب السابع من القانون  بداية من الفصول 43 الى52 لبيان  ماهية المخالفات  والعقوبات لمنع وقوع تلاعب قد يحدث عند التعامل بمثل العقود التبادلية علما ان الجرائم الالكترونية هي بدورها تشهد تطورا  والقرصنة عبر وسائل الاتصالات قد تطال جميع المجالات  وان التمشي الذي توخاه المشرع التونسي يعد سليما لحماية طرفي العقد او الاتفاق  وتم احداث وكالة وطنية للمصادقة الالكترونية التي تعطي التراخيص لتعاطي نشاط مزود خدمات  المصادقة الالكترونية  وغيرها من القوانين التي تنظم الامضاء الالكتروني  وقانون حماية المعطيات الشخصية .ونستعرض هذا على سبيل المثال وان هذه التدابير الوقائية المتعددة و التي اقرتها التشاريع الوضعية في عدة دول العالم  تبقى غير كافية ويجب ان يقع تطويرها وتحديثها بصفة مستمرة  بالنظر الى اهمية هذا التطور اللا محدود لمجال المعاملات التي اصبحت تنعقد بواسطة الفضاء الافتراضي باستعمال البرمجيات الرقمية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] مجلة الالتزامات والعقود الطبعة الثالثة اعداد القاضي السيد صالح الضاوي صفحة رقم 4 و5

 

[2][2] https=/mawdoo3*com  اخر تحديث 8نوفمبر 2018

[3]   الفصل 6 الفقرة 2 من مجلة التحكيم تص على مايلي, وتعتبر  الاتفاقية ثابتة بكتب اذا وردت في وئيقة موقعة من الاطراف او تبادل     رسائل او تلكسات او برقيات اوغيرها من وسائل الاتصال التي تثبت وجود الااتفاقية او في تبادل- ملحوظات الدعوى وملحوظات الدفاع التي بدعي فيها احد الاطراف وجود اتفاق ولا ينكره الطرف الاخر وتعتبر الاشارة في عقد من العقود الى وثيقة تشتمل على شرط تحكيمي بمثابة اتفاقية تحكيم شر ط ان يكون العقد ثابتا بكتب وان تكون الاشارة قد وردت بحيث يجعل ذلك الشرط جزء من العقد

[4] الوسيط في شرح القانون المدني نظرية الالتزام بوجه عام مصادر الالتزام( المبحث الثاني المسؤولية العقدية جاء العقد  صفحة 654

[5][5]

[6] الفصل 35 من قانون عدد 83 لسنة  2000 المتعلق بالمبادلات التجارية  نص على يلي” يتعين علي البائع في صورة عدم توفر المنتوج او الخدمة المطلوبة اعلام  المستهلك بذلك في اجل اقصاه 24 ساعة قبل تاريخ التسليم المنصوص عليه في العقد وارجاع كامل المبلغ الدغوع الى صاحبه- وباستثناء القوة القاهرة بفسخ العقد اذا اخل البائع بالتزاماته ويسترجع المستهلك المبلغ المدفوع بقطع النظر عن جبر الضرر اللاحق به ”

[7]  دراسة منشورة بمجلة القضاء والتشريع عدد5 السنة 54 ماي 2012 للمستشاربمحكمة الاستئتاف بصفاقس السيد بديع بن عباس تحت عنوان التحكيم الرقمي وعقود التجارة الالكترونبة /منقول من الفقرة الاولى من الصفحة 63

[i]5الوسيط في شرح القانون المدني نظرية الاتزام بوجه عام المبحث الثاني الامسؤؤولية العقدية ( جزاء العقد’  صفحة 654

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

عدد 89، شارع الحبيب بورقيبة، أريانة بالاص، الطابق 3، المكتب 2، أريانة
506 716 71 216+
Hakimi.Cabinet@gmail.com

تابعونا :

حقوق النشر © مكتب المحاماة الحكيمي 2021

Developed by