الأستاذة كوثر بن أحمدمحاربة العنف ضد المرأة في تونس : انجازات التشريع التونسي

ديسمبر 23, 20211

في اطار  الحملة الدولية السنوية 16 يوم من النشاط لمناهضة العنف ضد المرأة والتي انطلقت منذ 25 نوفمبر2021الي غاية 10 ديسمبر 2021 تاريخ اليوم العالمي للإعلان علي حقوق الانسان نسوق جملة من من الملحوظات مساندة لهذ الحملة ونستعرض من خلالها إنجازات الدولة التونسية التشريعية والقاتنونية في مجال مكافحة ظاهرة العنف المسلط علي المرأة

وللحديث عن حقوق المرأة في تونس و من اين انطلقت فكرة مسالة سن النصوص التشريعية التي تنظم  وتهتم بحرية المرأة وتنظيم الأسرة بجميع  مكوناتها  لتدعيم مبدا المساواة  بين الرجل و المرأة  في مختلف مجالات الحياة لا بد لنا من بسط لمحة تاريخية بسيطة عن الإرادة السياسية التي عاشت في ظلها البلاد التونسية منذ فجر الاستقلال والتي كان يتزعمها الرئيس الحبيب بورقيبة والذي كان يصرح في عديد خطاباته السياسية  بان  المرأة تكون أو تمثل نصف المجتمع ومسالة تحريرها من براثين الجهل سوف ينهض بالجماعة العامة وتتحقق المساواة بين جميع مكوناتها  و راهن على مسالة التعليم  وفرض على كافة أفرادها التعليم لأبنائها ذكورا و إناثا حتى يتسنى للمرأة في تونس المشاركة في الحياة العملية في جميع مجالاتها ومنحها فرصة العمل إلى جانب الرجل  والمشاركة الفعالة بدون تمييز.

ومن ثمة شهدت البلاد التونسية تطورا بل نهضة على المستوى التشريعي  وسن جملة من القوانين اهتمت بتنظيم احكام الزواج والطلاق  واحكام تنظيم الحالة المدنية وغيرها التي صدرت بمقتضاها مجلة الأحوال  الشخصية بموجب الامر العلي في 13 اوت 1956   ودخلت حيز التنفيذ بداية من غرة جانفي 1957

نلاحظ ان تونس كانت من الدول السباقة في مجال التشريع الذي يترجم الفكر التقدمي في مسالة مكافحة التمييز الجنسي بين المرأة والرجل كما شهدت البلاد خلال نفس الفترة على مستوى الثقافي ثورة على الموروث العقائدي في المواضيع التي تتحدث عن المرأة نذكر على سبيل المثال المفكر التونسي الطاهر الحداد والانتقادات التي تعرضت اليها  كتاباته

ان التقدم التشريعي والقانوني في تونس لم يتوقف سوف نذكر على سبيل المثال مجموعة من النصوص القانونية  التي  دعمت التوجه السياسي في مجال إثبات حقوق المرأة وتكريس مبدأ المساواة في شتى ميادين الحياة العملية فمن ذلك جملة التنقيحات التي أدخلت على مجلة الأحوال الشخصية بمقتضى قوانين 4 جويلية 1958 و19 جوان1959  و22 اكتوبر1962 و21 افريل1964 و3 جوان1966  و28 فيفري1981 قبل التنقيح الأخير الذي ادخله قانون12 جويلية1993  على عدد من فصول م. أ. ش و بعض المجلات القانونية الأخرى كالمجلة الجنائية ومجلة الجنسية ومجلة الشغل[1]  وعلى نفس الوتيرة واصلت البلاد التونسية في تدعيم تلك السياسة  كما نجدها من ضمن الدول الأوائل التي منذ الاستقلال انخرطت  في المسار الدولي الذي  يدعم حقوق المرأة وذلك بالمصادقة على الاتفاقيات الدولية نذكر علي سبيل المثال المصادقة على اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة الموقع عليها بنويورك في 31 مارس 1953 وعلى   اتفاقية جنسية المرأة المتزوجة الموقع عليها بنويورك في 20 فيفري 1957 وعلى اتفاقية نويورك المتعلقة بالرضاء بالزواج و بالحد الأدنى لسن الزواج و تسجيل عقود الزواج الموقع عليها بنويورك في 10 ديسمبر 1962وعلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة  و المبرمة في كوبنهاغن بتاريخ7 نوفمبر1967و انضمت من جهة أخرى إلى الإعلان العالمي لحقوق الطفل الصادر في 20 نوفمبر 1959 قبل أن تصادق بموجب قانون 29 نوفمبر 1991 على اتفاقية حقوق الطفل التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 20 نوفمبر 1989 وهي اتفاقية تكرس إلغاء أشكال التمييز بين الجنسين منذ سن الطفولة[2]

وان هذا التمشي الذي سايرته البلاد التونسية منذ الاستقلال  كان له تأثيرا إيجابيا على التشريع الداخلي وحققت تونس تقدما كبيرا في مسائل الاعتراف بحقوق المرأة وتكريس مبدأ المساواة بينها بين الرجل في الحقوق والواجبات وان التدخل التشريعي الذي شهدناه في المدة الأخيرة من تاريخنا  المعاصر بعد أحداث جانفي 2011 هو صدور قانون عدد58  لسنة 2017 والمؤرخ في 11 اوت 2017 والذي يعد رائدا في مسالة مكافحة العنف ضد المرأة ووصف هذا القانون من قبل رجالات القانون  بأنه مدونة كاملة في المبادئ والوقاية والحماية والتجريم والمتابعة

مع  إقرار عدة  جوانب إجرائية لجرائم  العنف ضد المرأة[3]

و أننا بالاطلاع على  هذا القانون نجد و أنه قد تمت تسميته بالقانون الأساسي الذي يتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة.

واحتوى هذا القانون على أربعة محاور وجاء مبوبا كالاتي: الباب الأول يتحدث عن ماهية العنف الذي يسلط على المرأة حيث أدرج ضمنه

تعريفا للفعل الضار وبسط لأشكال العنف المسلط على المرأة كذلك بيّن من هم الأشخاص المعنيين بضحايا العنف.

و تضمن الباب الثاني إجراءات الوقاية والحماية من العنف ضد المرأة واشتمل على عدد7 فصول تحدث فيها المشرع عن كيفية الوقاية وحماية الضحية و المؤسسات  الحكومية التي تتولي اتخاذ التدابير اللازمة لحماية و وقاية ضحايا العنف.

وتختص الوزارة المكلفة بشؤون المرأة بمتابعة أعمال المتدخلين في تنفيذ برامج الوقاية والحماية و بين المشرع  في  الفصل 13 ماهية الحقوق القانونية التي تتمتع بها المرأة الضحية.

وتضمن الباب الثالث من القانون تصنيفا لجرائم العنف ضد المرأة مع بيان العقوبات المستوجبة لتلك الأفعال وإجراءات المؤاخذة الجزائية انطلاقا من الضابطة العدلية المختصة وصولا إلى الهياكل القضائية المختصة بالنظر فيها  و ذلك من خلال تخصيص فضاءات مستلقة داخل المحاكم الابتدائية تضم قضاة مختصين بالنظر في قضايا العنف ضد المراة على مستوى النيابة والتحقيق وقضاء الاسرة.

وقد اشتمل الباب الرابع والأخير من هذا القانون على عدد12 فصل  تتطرق إلى الإجراءات والخدمات والمؤسسات المختصة في مثل هذه القضايا وبيّن من خلالها كيفية  تلقى الشكاوي والنيابة العمومية التي تتعهد بها والوحدات الأمنية المختصة التي تتولي إجراء  الأبحاث وما تقتضيه من إجراءات. و تضمن القانون كيفية تقديم مطلب الحماية  والهيكل القضائي المختص بالنظر في هذا المطلب و التدابير التي يتخذها قاضي الأسرة عند تعهده بمطلب الحماية. كما جاء ناصا على إحداث مرصدا وطنيا لمناهضة العنف ضد المرأة يخضع لإشراف الوزارة المكلفة بشؤون المرأة.

إننا نلاحظ بعد استعراض جملة القوانين التي سنها المشرع التونسي  وما شهدته البلاد التونسية من أحداث سياسية وتقلبات اجتماعية  فأن المرأة في تونس بقيت الكائن الضعيف الذي يمارس عليه المجتمع الذكوري جميع أنواع التمييز الجنسي و نذكر على سبيل المثال  الإحصائيات الأخيرة التي نشرتها نشرية جريدة الصباح في عددها الصادر يوم الأحد 21 نوفمبر 2021  تم تسجيل 1718 قضية زواج عرفي في تونس خلال الخمسة سنوات الأخيرة2021 و بت القضاء في 287 ملف خلال السنة القضائية الفارطة فان الرجوع الى ظاهرة الزواج العرفي أكبر دليل على أن الفكر الرجعي قد استفحل في تونس و كأن الحقبة الزمنية المظلمة التي كانت تعيشها المرأة التونسية سابقا قد وقع احياؤها من جديد.

كما تجدر الإشارة إلى ظاهرة جديدة من أساليب العنف و التي لم يتطرق لها قانون 58 لسنة 2017 تتمثل في الجرائم المستحدثة والتي تقع بواسطة شبكة الانترنات والتي تسمى بالهرسلة التي تجعل الضحية في حالة مرضية لتصبح فريسة يسهل استغلالها  معنويا وماديا و حتى جسديا.  وقد أدت هذه   الممارسات  الجديدة في عديد من البلدان إلي انتشار  ظاهرة الانتحار لذا فان الحديث عن مناهضة هذه الظاهرة العنف ضد المرأة  يتطلب حملات مستمرة تواكب من خلالها الهياكل المختصة جميع ظواهر العنف  التي تتطور بنسق كبير وتتفاعل مع المناخ السياسي  والاجتماعي التي تشهده الأوطان في أيامنا هذه  من تقلبات  على جميع المستويات.

و خلاصة القول فان محاربة ظاهرة العنف ضد المرأة لا تقتصر على سن قوانين  ونصوص تشريعية ومساندة حملات دولية  وإنما في شعوبنا  لا بد من محاربة هذه الظاهرة بصفة دائمة وذلك بالاعتماد على التوعية المستمرة و  محاربة الفقر والجهل  اللذان يلعبان دورا كبيرا  في مسالة تطور العنف بجميع أشكاله.

و ما هو مؤسف فعلا أن نشهد في أيامنا هذه أن الممارسات الإجرامية في تزايد مستمر ضد المرأة بجميع أشكالها القديمة و الحديثة و عدم النجاعة في الحد من هاته الظاهرة في بلادنا بل اكثر من ذلك فإننا نشهد وجود فئة من النسوة يناصرون فكر الرجوع بالمرأة إلى الوراء٫ كما ان النصوص التشريعية و القانونية التي وقع سنها طيلة الحقبة الزمنية التي عاشتها تونس منذ استقلالها و التي سنها المختصين في مجال التشريع و ناضل من أجلها جيل كامل رمي بها عرض الحائط و أصبحت عبارة على نصوص جامدا تجاوزتها الاحداث.

بقلم السيدة كوثر بن أحمد,قاضي سابق بمحكمة الاستئناف بتونس

 

[1]نشرية مكتب الدراسات القانونية و القضائية لوزارة العدل سنة 1997  مقال الحبيب الشريف,ص167

[2]نفس المصدر

[3]كتاب الد٠ عتي كحلون  صفحة ٣٦١ من المبحث الخامس الإجراءات الخاصة بجرائم العتداء

One comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

عدد 89، شارع الحبيب بورقيبة، أريانة بالاص، الطابق 3، المكتب 2، أريانة
506 716 71 216+
Hakimi.Cabinet@gmail.com

تابعونا :

حقوق النشر © مكتب المحاماة الحكيمي 2021

Developed by