الأستاذة كوثر بن أحمدقراءة للنصوص القانونية المحدثة للمحكمة الدستورية في تونس

مارس 25, 20211

حرر من قبل السيدة كوثر بن أحمد

رئيس دائرة بمحكمة الاستئناف بتونس سابقا

إن إحداث محكمة دستورية في تونس يعد مكسبا تشريعيا هاما تمخض عن رغبة ملحة عبرت عنها جميع شرائح المجتمع التونسي سعيا منه لإرساء نظاما ديمقراطيا سليما يحقق العدالة الاجتماعية و يكفل المساواة في الحقوق و الحريات بين المواطنين و المواطنات دون تمييز.[1]

و إذا ما أردنا التحدث عن أسباب انبعاث هذه الرغبة لدى الشعب التونسي, فلا بد أولا التطرق إلى الحقبة الزمنية السابقة التي عاشتها تونس منذ عهد الآمان مرورا بفترة الاستقلال و ما بعد الاستقلال و الأحداث التي شهدتها بلادنا بعد ثورة 14 جانفي 2011 إلى يومنا هذا.

فإن أول دستور وضع للبلاد التونسية كان دستور سنة 1861 أصدره الباي دون تدخل الشعب التونسي آنذاك في سنه[2] و قد تضمن بالفصل 60 و 61 منه الإشارة إلى وجود هيئة تسمى المجلس الأكبر و الذي من أبرز مهامه المحافظة على العهود و القوانين و غيرها. ثم صدر الأمر العلي المتعلق بإحداث المجلس القومي التأسيسي و المؤرخ في 25 ديسمبر 1955 الذي بمقتضاه أحدث مجلسا قوميا دستوريا يتولى وضع دستور جديد للبلاد التونسية. و قد صدر فعليا أول دستور للجمهورية التونسية سنة 1959 بموجب القانون عدد 57 لسنة 1959 المؤرخ في غرة جوان 1959 و الذي أرسى لأول مرة تفرقة واضحة بين السلط و أتى على حماية جملة من الحقوق و الحريات. و لعل من أهم ما جاء صلب هذا الدستور هو تركيبة مجلس الدولة و مهامه حيث أنه يتركب من هيئتين إحداهما قضائية إدارية تنظر في مدى تجاوز الإدارة لسلطتها و الأخرى دائرة محاسبات تتولى مراجعة حسابات الدولة.

و يستشف من النصوص المذكورة أن مجلس الدولة مثل المجلس الأكبر لا يمكن اعتباره من قبيل الهيئة القضائية المستقلة التي من صلاحياتها النظر في علوية القانون بالمعنى الحديث و كذلك الشأن بالنسبة لقانون عدد 39 لسنة 1992 الذي يتحدث عن المجلس الدستوري و الذي نص في فصله الأول على كونه هيئة دستورية.

فإن إحداث محكمة دستورية على الشكل الذي تضمنه دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014 يعد مكسبا حقيقيا كرس من خلاله المشرع مبدأ دستورية القوانين حتى لا تتجاوز السلط التي تتكون منها الدولة حدودها و تتغول سلطة على سلطة. و أن مثل هذا المبدأ نجد أنه وقع تكريه في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنة 1803 بمناسبة القضية المشهورة Marbury Vs Madison [3] حيث أقرت المحكمة العليا بالولايات المتحدة الأمريكية بأنها تتمتع بالسلطة الكافية لمراقبة دستورية القوانين و هو ما يعد أهم سلطة تتمتع بها المحكمة. و بذلك, أضحت المحكمة العليا أول محكمة دستورية في تاريخ البشرية.

و أن القانون حتى تتمكن أفراد الشعب من الاستفادة من محتواه لا بد من توفير آليات تفعيله في الواقع, إلا أنه بالرجوع إلى نص الدستور و القانون الأساسي للمحكمة الدستورية الصادر في 2015 اللذان يعتبران بمثابة مضمون ولادة هاته الهيئة القضائية المستقلة فإن إنشاء و إحداث المحكمة الدستورية بتشكيلتها التي تتكون من نخبة من رجالات القانون يبقى رهينة للتجاذبات الحزبية الفاعلة في المجتمع التونسي و التي تنظم الحياة السياسية مما يشكل عارضا أمام إحداث هذه المحكمة و يبقى هذا المولود بمثابة الفكرة التي لم تتجاوز الورق خصوصا و أن مجلس النواب في تونس قد فشل للمرة السابعة من انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية.

فكيف نظم المشرع التونسي المحكمة الدستورية ؟

خلافا لكل ما سبق, فإن المشرع التونسي لم يكتفي فقط صلب دستور 2014 على التنصيص على ضرورة إحداث محكمة دستورية و إنما تولى بعد إصداره للدستور المذكور, وضعه لقانون أساسي يتعلق بإحداثها و المؤرخ في 21 نوفمبر 2015.

و قد تطرق المشرع ضمن هذا القانون بصفة دقيقة لتركيبة المحكمة الدستورية (الجزء الأول) من جهة و إلى مهامها من جهة أخرى (الجزء الثاني).

الجزء الأول : تركيبة المحكمة الدستورية

إن المحكمة الدستورية هي قبل كل شيء “هيئة قضائية مستقلة ضامنة لعلوية الدستور و حامية للنظام الجمهوري الديمقراطي و للحقوق و الحريات في نطاق اختصاصاتها و صلاحياتها المقررة بالدستور و المبينة بهذا القانون.”[4]

و تتركب هذه الهيئة من اثني عشر عضوا يكون ثلاثة أرباعها من المختصين في القانون بالأساس.[5] بما يدعون إلى القول بأن الربع المتبقي لا يشترط أن يكونوا مختصين في القانون. و لكن المشرع التونسي أقرن عضوية الأشخاص غير المختصين في القانون بشرط حصولهم على شهادة الدكتوراه أو ما يعادلها.

كما أن المشرع التونسي لم يكتفي بشرط الاختصاص في القانون فقط بل وضع جملة من الشروط الأخرى بكل من الفصلين 7 و 8 من القانون المذكور آنفا على غرار الخبرة المهنية التي لا تقل عن عشرون سنة و اشتراط الكفاءة و الاستقلالية و الحياد و النزاهة.

و رغم توفر كل هاته الشرائط القانونية في المترشحين فإن العضوية لهذه الهيئة القضائية لا تكون بصفة آلية لأن تعيينهم يتم تباعا من طرف مجلس نواب الشعب و المجلس الأعلى للقضاء و رئيس الجمهورية مع السعي إلى احترام مبدأ التناصف.[6]

بالتمعن في محتوى هذه النصوص, يتراءى لنا بأنها في ظاهرها تدل على وجود توازن بين السلط الثلاثة التي تتشكل منها الدولة عند تعيين أعضاء المحكمة الدستورية لكن من حيث واقع الحياة السياسية في تونس و في ظل النظام البرلماني التعددي الذي نعيشه الآن, فإن مرجعية التعيين بالنسبة للسلط الثلاثة لا يمكن أن تتحقق لأن مجلس النواب يبقى رهينا للتجاذبات الحزبية الفاعلة في المجتمع التونسي و إن هذا التعيين يكاد أن يكون مستحيلا إلا إذا حصل اتفاق بين جميع الأطراف السياسية من أجل الحفاظ على مبادئ الديمقراطية بصفة خاصة و الوطنية بصفة عامة.

فإن السؤال الذي يطرح نفسه : ما هي المرجعية التي يستند إليها كل من مجلس نواب الشعب و المجلس الأعلى للقضاء و رئيس الجمهورية في تقديرهم عند تعيين الأعضاء الأربعة الواجب اقتراحهم أو المصادقة على ترشحهم ؟

من الثابت و أنه لا وجود لإجابة تشريعية واضحة ما عدى الخاصية الوحيدة المتعلقة بالاختصاص في القانون. و بذلك, فإن تعيين الأعضاء يبقى خاضعا لاعتبارات أخرى نجهلها تماما إلى حدود هذا التاريخ بما من شأنه أن يفسر الفشل الذريع الذي سجلته الدولة التونسية في محاولتها لتشكيل المحكمة الدستورية بهيئتها المستقلة التي حددها الدستور.

لا بد من الإشارة إلى أن اختلاف التوجهات السياسية التي تعيشها تونس داخل و خارج البرلمان يحول دون بعث تلك المحكمة و فتح أبوابها للطعون لصعوبة حصول توافق بين نواب الشعب و الكتل النيابية التي هي في صراع دائم و مستمر دفاعا كلا عن موقفه تمثيلا لحزبه المنتمي إليه و دون الخوض في إثارة إشكاليات أخرى فإن هذا الاختلاف الإيديولوجي يعد سببا كافيا لإعاقة إحداث تلك المحكمة بصفة فعلية زيادة عن ذلك شرط حصول المترشح على أغلبية الثلثين من الأصوات أي 145 صوت من 217 صوت من ممثلي نواب الشعب و هو يعد أمرا مستحيل التحقق.

فبالرغم من اشتراط الفصل 148 من الدستور على أن المحكمة الدستورية يجب أن يتم إحداثها في أجل سنة من تاريخ الانتخابات التشريعية لسنة 2014, إلا أنه إلى حد هذا اليوم لم يتمكن بعد البرلمان من التوصل إلى انتخاب أربعة الأعضاء الذي يتعين عليه اختيارهم من ضمن المترشحين.

و قد طرح كذلك مقترح النزول بأغلبية الأصوات للاقتراع الأربعة أعضاء من قبل المجلس من أغلبية الثلثين أي 145 صوت إلى عتبة الأغلبية المطلقة أي 109 صوت لتلافي التعثر الذي شهده المجلس في الدورات السابقة.[7]

و لعل الحل يكمن, في منظورنا الشخصي, في منح الحرية لرؤساء السلط الثلاث في تعيين الأعضاء الأربعة بناء على الاختيار الشخصي لرئيس الجمهورية و رئيس مجلس النواب و رئيس المجلس الأعلى للقضاء باعتبارهم أعلى سلط في الدولة و الذين بدورهم انتخبوا من قبل الشعب مما يفترض و أن الشعب قد منحهم ثقته في توليهم مناصب القيادة و من خلالهم يختار الشعب أعضاء المحكمة الدستورية. فاختيارهم للأعضاء هو في حد ذاته اختيار الشعب.

و إن هذا التوجه لكي يتحقق فإنه لا بد أن يقع اللجوء إلى تنقيح النص الذي يقتضي و أن تعيين أعضاء المحكمة يكون تباعا من مجلس النواب و رئيس الجمهورية و المجلس الأعلى للقضاء. فإن هذه الأولوية التي منحت لمجلس النواب و أثبت الواقع أنها شكلت عائقا إلى حد الآن أمام إمكانية تعيين أعضاء المحكمة الدستورية يجب تجاوزها بتعديل النص من قبل لجنة التشريع.

إلى جانب تحديد المشرع لتركيبة المحكمة الدستوري, فقد تولى هذا الأخير إسنادها اختصاصا حكميا واسعا.

الجزء الثاني: مهام المحكمة الدستورية

لقد حدد القانون الأساسي للمحكمة الدستورية جملة من الاختصاصات جاءت ضمن الباب الرابع منه. و بالتحديد فإنه من أوكد مهامها : مراقبة دستورية تعديل الدستور, مراقبة دستورية المعاهدات, مراقبة دستورية مشاريع القوانين, مراقبة دستورية القوانين و مراقبة دستورية النظام الداخلي لمجلس النواب.

إن جملة النصوص الواردة بالقانون الأساسي للمحكمة الدستورية جاءت تتحدث من مسألة المراقبة لدستورية القوانين باعتبار أن الدستور هو رأس الهرم لكافة القوانين الوضعية في الدولة و أن المراقبة لدستورية القوانين في تونس و حسب دستور 2014 عهدت لجهاز مختص سمي بالمحكمة الدستورية كما هو الشأن في عدة بلدان أخرى مثل مصر هذا الجهاز سمي بالمحكمة الدستورية العليا و بفرنسا كذلك سمي بالمجلس الدستوري و بالولايات المتحدة الأمريكية المحكمة العليا.

و إن هذه المراقبة تتخذ شكلين إما أن تكون مراقبة أولية بمعنى أنها تتم قبل وضع القانون و المصادقة عليه و دخوله حيز النفاذ مثلا الطعن في مشروع قانون المالية و مثل هذا الطعن لا يمكن أن يتم أو أن يثار إلا من طرف رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو من طرف ثلاثين نائبا (30 نائبا) من مجلس نواب الشعب على الأقل, كما هو الشأن في خصوص حالة استعجال النظر في مطلب الطعن (الفصل 44 و ما بعده من القانون الأساسي للمحكمة الدستورية).

و إما أن تكون المراقبة لاحقة لوضع القانون و تكون عن طريق الدفع بعدم دستورية القانون الذي دخل حيز التنفيذ و أن هذا الطعن يمكن إثارته من أحد الخصوم عند نشرهم لقضايا خاصة أمام محاكم الحق العام حسب الفصل 53 و ما بعده من القانون الأساسي للمحكمة الدستورية.

و أن الهدف من هذه المراقبة هو إرساء مبدأ علوية القانون و المقصود بهذا المبدأ هو علوية الدستور, إلا أنه بمراجعة النص الدستوري في بابه العاشر المتعلق بالأحكام الانتقالية نجد أن الفصل 148 في الفقرة 7 نص على إحداث هيئة وقتية تختص بمراقبة دستورية مشاريع القوانين تنتهي مهامها بإرساء المحكمة الدستورية. و فعلا قد تم إحداث هاته الهيئة بمقتضى القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 المؤرخ في 18 أفريل 2014 و ضمنت صلاحياتها و كيفية عملها صلب هذا القانون و هي تعمل فعليا منذ دخول قانونها الأساسي حيز التنفيذ و يكمن مقرها بمجلس نواب الشعب و قد حدد الفصل 4 من نفس القانون تركيبتها. و إن إحداث مثل هذه الهيئة ما هو إلا مرحلة انتقالية انتهجتها السلطة التأسيسية لإضفاء الشرعية على القوانين و القرارات و الأوامر التي تتخذها السلطة السياسية إلى أن يتم إرساء المحكمة المختصة قانونا. إلا أن هذه الهيئة الوقتية على ما يبدو أصبحت دائمة ضرورة أنها واصلت العمل إلى حد هذا اليوم بالرغم من أن القانون الانتقالي قد نص على مدة زمنية معينة تقوم بمهامها خلالها إلى أن يتم إحداث محكمة دستورية في غضون سنة من انتهاء الانتخابات. و أن هذا التجاوز للمدة الزمنية بما يقارب عن خمسة سنوات الآن من قبل الهيئة الوقتية يعد في حد ذاته خرقا للدستور.

و قد بتت هذه الهيئة في جملة من القرارات من بينها القرار عدد 1/2019 بتاريخ 26 أفريل 2019 و المتعلق بدستورية مشروع القانون عدد 24/2019 المتعلق بتنقيح و إتمام القانون عدد 12 لسنة 1985 المؤرخ في 5 مارس 1985 المتعلق بنظام الجرايات المدنية و العسكرية للتقاعد و للباقين على قيد الحياة في القطاع العمومي.

إن أغلب القرارات الصادرة عن الهيئة الوقتية وقع قبولها شكلا و رفضها أصلا.

من ناحية أخرى, فإن المشرع قد خص المحكمة الدستورية بجملة من المهام الأخرى إلى جانب اختصاصاتها في مراقبة عدم دستورية القوانين أو الدفع بعدم الدستورية كإعفاء رئيس الجمهورية و إقرار شغور منصب رئيس الجمهورية و تلقي اليمين للقائم بمهام رئيس الجمهورية و البت في النزاعات المتعلقة باختصاص رئيس الجمهورية و رئيس الحكومة. و عليه فإن المشرع التونسي من خلال ذلك حاول التوسع في اختصاصات المحكمة الدستورية إلا أن هذا التوسع من شأنه أن ينحاز بالمحكمة عن غايتها الأساسية و هي مراقبة دستورية القوانين و يفتح تبعا لذلك, مجالا واسعا للنقاش و التأويلات. هل لها دور قضائي بحت أ لها دور سياسي قد يقع الرجوع إليها كلما اقتضت الحاجة ؟

كما تجدر الإشارة إلى وجود فراغ تشريعي فيما يخص إمكانية المحكمة الدستورية مراقبة دستورية المراسيم و الأوامر ذات الصبغة التشريعية أو الترتيبية الصادرة قبل دستور 2014.

و لربما تكون تلك القرارات و الأوامر هي موضوع دعاوى منشورة أمام المحاكم العدلية أو الإدارية و أثيرت بواسطة الدفع بعدم دستوريتها و يكون من الأجدر النظر فيها من قبل المحكمة الدستورية.

إن التوجه الذي اتخذه المشرع التونسي لتكريس علوية الدستور يجعل من المحكمة الدستورية بمثابة الضامن القضائي و الوحيد في رقابة دستورية القوانين.

إن الفصل 51 من القانون الأساسي للمحكمة الدستورية يبين كيفية إحالة الطعون إليها من قبل الجهات المختصة و آجال البت فيها فيكون ذلك إما بإقرارها أو تعديلها. و بذلك, تكون قراراتها و أرائها بعد البت في الطعن لها قوة إلزامية مطلقة على جميع السلط.[8]

و تصدر قرارات المحكمة الدستورية باسم الشعب لتنشر بالرائد الرسمي في أجل 15 يوم من تاريخ صدورها.

و إن القوة الإلزامية لقرارات المحكمة الدستورية ما هو إلا المنهج الذي اتخذته السلطة التأسيسية في تونس و الذي ينم على وجود رغبة قوية لتثبيت مبدأ سمو القواعد الدستورية إلا أن مجموعة القواعد الواردة بالقانون الأساسي للمحكمة الدستورية تنص على فكرة إمكانية تعديل الدستور.

و قد عهدت للمحكمة الدستورية مهمة مراقبة هذا التعديل و إن الإجراءات التي تتبعها المحكمة في هذا المجال و القرارات التي تتخذها تبدو من ظاهر النص أن لها صبغة استشارية ذلك أن إذا ما أقرت المحكمة بدستورية مشاريع قوانين تعديل الدستور فإن رئيس الجمهورية يختم المشروع و يعرضه على الاستفتاء حسب الفقة الثالثة من الفصل 41 من القانون المذكور.

و إن كان هذا الموقف يختلف عن حجية المطلقة لقرارات المحكمة فإنه لا ضار من ذلك خاصة أن السلطة التأسيسية ترغب بلحة في تحديث القواعد الدستورية كلما اقتضت الحاجة لذلك ل
أن المرونة في النصوص القانونية هي ميزة حسنة و من خلالها يحدث التطور الاجتماعي على جميع الأصعدة.

إن الرقابة المسلطة على دستورية القوانين و المعاهدات إذا ما تحققت فإن ما يترتب عنها هو إما بطلان العمل المخالف للدستور أو الامتناع عن تطبيقه و نذكر على سبيل المثال التجربة الفرنسية من خلال المجلس الدستوري الفرنسي و قد أخذت فرنسا بأسلوب الرقابة الوقائية السابقة. إذ أوكل دستورها الحالي الصادر سنة 1958 للمجلس الدستوري مهمة الرقابة السابقة على دستورية المعاهدات الدولية.[9]

إن نجاح التجربة الفرنسية في الرقابة على المعاهدات و الاتفاقات الدولية يكون نتيجة لما توخاه المشرع الدستوري الفرنسي الذي راعى في الرقابة ضرورة تكامل الدور الرقابي للمجلس كهيئة سياسية مع الدور الرقابي لمجلس البرلمان كسلطة تشريعية الأمر الذي يحقق عدم التعارض بين السلطتين في مراقبة دستورية التشريعات و الاتفاقات الدولية مما يؤدي إلى استقرار المنظومة التشريعية داخل الدولة.[10]

بالرجوع إلى القانون الأساسي التونسي للمحكمة الدستورية يتبين أن الفصل 42 منه ينص على أن الجهة التي تتولى إحالة المعاهدة للمراقبة تكون لرئيس الجمهورية و يتم ذلك العرض قبل ختم مشروع المرافقة عليها و بقراءة سطحية لهذا النص يتبين أن التوجه الذي انتهجه المشرع التونسي يوحي بأن المراقبة الدستورية كما جاءت بها التجربة الفرنسية هي مراقبة وقائية و تبقى نجاعة الرقابة في تونس مرهونة في معرفة تشكيلة المحكمة الدستورية بقطع النظر عن شكل المحكمة التي تعد هيئة قضائية مستقلة بحكم القانون.

 

يتجلى لنا بكل وضوح من خلال هذه القراءة المبسطة للنصوص القانونية المحدثة للمحكمة الدستورية بتونس أنه من الممكن للدولة التونسية أن ترقى بمؤسساتها على الصعيدين السياسي و القضائي إلى المستوى الذي شهدته الدول المتقدمة و ذلك بعد إرساء موازنة بين السلط الحاكمة. فيجب على القوى السياسية أن تتحلى بالوعي الكافي لإحداث المحكمة الدستورية بعيدا عن التجاذبات الإيديولوجية حتى يقع تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة باعتبار و أن جهاز هذه الهيئة القضائية المختصة من شأنها أن تبعث الثقة لدى الشعب التونسي من كونه يحضى بمؤسسة قضائية تقيم العدل في البلاد و تكون فعلا مستقلة تماما و تحافظ على مبدأ التفرقة بين السلط.

 

[1] الفصل 21 من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2014 المؤرخ في 31 جانفي 2014

[2]زهير مظفر,”العمل التأسيسي للمجلس القومي التأسيسي”, نشرية المجلس القومي التأسيسي, أعمال ملتقى أيام 29 – 30- 31 ماي 1984, مركز الدراسات و البحوث و النشر بكلية الحقوق و العلوم السياسية و الاقتصادية بتونس, سنة 1986, صفحة 83.

[3] Affaire Marbury Vs Madison, arrêt rendu par la Cour Suprême des Etats-Unis d’Amérique le 24 Février 1803.

[4] الفصل الأول من القانون الأساسي المتعلق بالمحكمة الدستورية و المؤرخ في 21 نوفمبر 2015

[5] الفصل السادس من نفس القانون

[6] الفصل 9 من نفس القانون

[7] أشرف الرياحي, “هل يحل البرلمان أزمة المحكمة الدستورية؟”, جريدة الشروق, الأحد 14 جوان 2020, صفحة 3

[8] الفصل 5 من القانون الأساسي للمحكمة الدستورية لسنة 2015

[9] الدكتور م. رفاعي, “التجربة الفرنسية في الرقابة على دستورية المعاهدات الدولية من خلال المجلس الدستوري”, مجلة القضاء و التشريع, عدد 9, نوفمبر 2016.

[10] نفس المرجع

One comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

عدد 89، شارع الحبيب بورقيبة، أريانة بالاص، الطابق 3، المكتب 2، أريانة
506 716 71 216+
Hakimi.Cabinet@gmail.com

تابعونا :

حقوق النشر © مكتب المحاماة الحكيمي 2021

Developed by